خليل الصفدي

393

الوافي بالوفيات ( دار صادر )

ظهورا ، فكلّ حجّة انظر فيها ، أثبت مقدّمات قياسيّة ، ورتّبتها في تلك الظّهور ، ثم نظرت عساها تنتج ، وراعيت شروط مقدّماته ، حتى تحقّق لي حقيقة الحقّ في تلك المسألة . وكلّما كنت أتحيّر في مسألة ، ولم أكن أظفر بالحدّ الأوسط في قياس ، تردّدت إلى الجامع ، وصلّيت ، وابتهلت إلى مبدع الكلّ ، حتى فتح لي المنغلق « 1 » منه وتيسّر المتعسّر . وكنت أشتغل بالنّهار وباللّيل ، فمهما غلبني النّوم ، أو شعرت بضعف ، عدلت إلى شرب قدح من الشّراب ، ريثما تعود إليّ قوّتي ، ثم أرجع إلى القراءة ، ومهما أخذني أدنى نوم ، أحلم بتلك المسائل بأعيانها ، حتّى إنّ كثيرا من المسائل اتّضح لي وجوهها في المنام ، وكذلك حتّى استحكم معي جميع العلوم ، ووقفت عليها بحسب الإمكان الإنسانيّ . وكلّ ما علمته ذلك الوقت فهو كما هو عليه ؛ لم أزدد فيه إلى اليوم ، حتى أحكمت علم المنطق والطّبيعيّ والرّياضيّ ، ثم عدلت إلى الإلهي ، وقرأت كتاب : « ما بعد الطبيعة » ، فما كنت أفهم ما فيه ، والتبس عليّ غرض واضعه ، حتى أعدت قراءته أربعين مرّة ، وصار لي محفوظا ، وأنا مع ذلك لا أفهمه ، ولا أعلم ما المقصود به ، وأيست من نفسي ، وقلت : هذا لا سبيل إلى فهمه . وإذا أنا / في يوم من الأيّام ، قد حضرت الورّاقين وبيد دلّال مجلّد ينادي عليه ، فعرضه عليّ ، فرددته ردّ متبرّم به ، معتقد أن لا فائدة في هذا العلم ، فقال لي : « اشتر منّي هذا فإنه رخيص » فاشتريته بثلاثة دراهم ، فإذا هو كتاب لأبي نصر الفارابيّ في أغراض كتاب : « ما بعد الطّبيعة » ، فرجعت إلى بيتي وقرأته ، فانفتح عليّ به في ذلك الوقت أغراض ذلك الكتاب ، بسبب أنّه قد كان لي على ظهر قلب ، وفرحت بذلك ، وتصدّقت ثاني يوم بشيء كثير على الفقراء شكرا للّه تعالى . وكان سلطان بخارى في ذلك الوقت نوح بن منصور السّامانيّ ، فاتّفق أن مرض مرضا تكعّ « 2 » الأطباء فيه ، وكان اسمي اشتهر بينهم بالتوفّر على العلم

--> ( 1 ) في الأصل : « المتعلق » تصحيف . ( 2 ) أي تعجز ولا تقدر . انظر : لسان العرب ( كعع ) 10 / 87 وفي عيون الأنباء : « تلج » . وفي تاريخ الحكماء : « بلح » تحريف .